السيد محمد الصدر
376
تاريخ الغيبة الصغرى
للعامل على مقدار ما أداه من العمل . وهذا أمر في مصلحة العامل بلا إشكال . وهو أوضح صورة تتوخاها الماركسية لأجل إسعاد المجتمع وبث الرفاه فيه ، وكذلك يتوخاها التخطيط الإلهي في اليوم الموعود ، كما سوف يأتي توضيحه . ولكن هل هذا من الماركسية صحيح أولا . بل هل هو ممكن التحقق أساسا أو لا ؟ أولا : إن هذا غير صحيح من الماركسية أو غير عادل . لأن خيرات البلاد مهما كثرت والانتاج مهما ازداد ، فسوف لن يكون بوفرة الضوء والهواء وتنتفي الندرة النسبية تماما ، بل يبقى النقص موجودا لا محالة . والبلدان تختلف في الدخل القومي وفيما تحتويه من الثروات الطبيعية . ففي الامكان القول بأن النقص يكون واضحا في أكثر بلدان العالم ، وإن كان في بعضها الآخر غير واضح ، ولكنه موجود . فإذا كان ذلك صحيحا ، فمن الواضح أن استيفاء كل الحاجات لكل انسان أو إعطائه بمقدار ما يريد ، غير ممكن لعدم سعة مجموع ثروات البلاد لذلك ، حتى في الوضع العالمي ، لو قسمت ثروات العالم على أهله . ومعنى ذلك أن إعطاء جملة من الأفراد بمقدار حاجاتهم جميعا ، سوف يحرم الأفراد الآخرين من أن ينالوا نفس الشيء . إذن ، فسيكون هذا الاعطاء الذي تتوخاه الماركسية غير صحيح أو غير عادل ، لأنه مجحف بحق الآخرين . ثانيا : إن هذا غير ممكن ، وليس فقط غير صحيح . وذلك : لأن ماركس والماركسيين يرون أن القيمة لا تكتسب إلا بالعمل ، وأن المال لا يكون مالا إلا به . إذن ، وبكل بساطة يكون ما يأخذه كل فرد إنما هو من الأموال التي تجسدت فيها أعمال سابقة ، وبه يسد حاجاته الضرورية والثانوية وغيرها ، لا انه يعطي شيئا غير مالي ، وساقطا عن المنفعة ، أو لم يجسد به أي عمل . فإذا كان كذلك ، إذن فمجموع الأموال في البلاد تساوي مجموع الأعمال المبذولة فيها . . . وكذلك ، بالنسبة إلى مجموع العالم البشري . فلو فرضنا - للسهولة - أن البلد متكون من مائة شخص وعمل كل منهم خمس ساعات ، فسوف يكون العمل خمسمائة ساعة يوميا ، ويكون الانتاج بمقدار هذا العمل لا محالة . ولئن كانت الحاجات الضرورية لهؤلاء المائة يمكن أن تسد بهذا المقدار ،